محمد بن الطيب الباقلاني

124

إعجاز القرآن

ويستأنس بالأخذ منه بخلاف ( 1 ) ما يستأنس بالأخذ من غيره ، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه ، وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم ، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى ، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى . وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الاخذ ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا ، أو ألم بهما فيه سرارا ؟ ! / وأما ما لم يأخذ عن الغير ، ولكن سلك النمط ، وراعى النهج ، فهم يعرفونه ، ويقولون : هذا أشبه به من التمر بالتمرة ، وأقرب إليه من الماء إلى الماء ، وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة ، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه ، وسلك في غير جانبه ( 2 ) ، قيل : بينهما ما بين السماء والأرض ، وما بين النجم والنون ( 3 ) ، وما بين المشرق والمغرب . * * * وإنما أطلت عليك ، ووضعت جميعه بين يديك ، لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله ، وغامضه وجليه ، وقريبه وبعيده ، ومعوجه ومستقيمه . فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول ، وهو قريب متناول ، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم ، ويبعد عما هو في عرفهم ، ويفوت مواقع قدرهم ؟ ! وإذا اشتبه ذلك ، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة ، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه ( 4 ) بينهم ولا يتجاوزونه ، فلكلامهم سبل مضبوطة ، وطرق معروفة محصورة . وهذا كما يشتبه على من يدعى الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / الشأن ، فيدعى أنه أشعر من البحتري ، ويتوهم أنه أدق مسلكا من أبى نواس ، وأحسن طريقا من مسلم ! وأنت تعلم أنهما متباعدان ، وتتحقق أنهما لا يجتمعان

--> ( 1 ) م " خلاف " ( 2 ) م " مسلكه " ( 3 ) في اللسان 17 / 316 " النون الحوت ، والجمع أنوان ونينان " ( 4 ) م " وسد يرونه "